محمد متولي الشعراوي
2889
تفسير الشعراوى
وسبحانه طلب منا أن نشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وأن نقيم الصلاة وأن نؤتى الزكاة وأن نصوم رمضان وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وقد يؤدى شخص كل هذه الأعمال وبذلك يكون قد قام بآداء التكليف ، لكن هناك إنسان آخر يؤدى كل جزئية بتمامها فلا يختصر شيئا منها بل إنّه يوفيها بلا تدليس . والحق هنا يخاطب المؤمنين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » أي أننا أمام « إيمان » و « عقد » . وشرحنا معنى الإيمان ، أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين ، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه وأن يأخذ ما له . وسمى العقد عقدا ؛ لأن العقد هو الربط ، أي شئ لا ينحل من بعد ذلك . ولذلك نسمى ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم « عقيدة » . لأنها الأمر المعقود ، وليس الأمر الطارىء الذي يأتي اليوم وينتهى غدا . والشئ المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفو إلى العقل ليبحث من جديد ، بل إنه مستقر وثابت في القلب . ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود . والعقود - كما نعلم - هي جمع ل « عقد » وبالإسلام عقود كثيرة ، تبدأ بالعقد الأول وهو عقد الذر : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ( من الآية 172 سورة الأعراف ) ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ساعة التطبيق ويفر منها ، ثم نأتى إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف فيها آدم وذريته من بعده ، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك الأسباب وتدين لك بعض الوقت . لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت فقط ، وحين تبذر البذور في الأرض وتروى الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير اللّه أرضه لك . وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي روّض المهر ، لا ، إنه تسخير الحق للفرس . ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ليقع الفارس من فوق ظهره ، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب عنا ، فلو لم يذلل اللّه الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها .